سيد محمد طنطاوي
471
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) * تعليل للنهي المقصود من الترجي في قوله : * ( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ . . . ) * وزيادة في تسليته صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم . أي : إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان . . زينة لها ولأهلها * ( لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * أي : لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها : أيهم أتبع لأمرنا ونهينا ، وأسرع في الاستحابة لطاعتنا ، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها . وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا ، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة في الوقت الذي نريده لنهاية هذه الدنيا ، « صعيدا » ، أي : ترابا « جرزا » أي : لا نبات فيه ، يقال أرض جرز ، أي : لا تنبت ، أو كان بها نبات ثم زال . ويقال : جرزت الأرض : إذا ذهب نباتها بسبب القحط ، أو الجراد الذي أتى على نباتها قال تعالى : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ ، فَنُخْرِجُ بِه زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْه أَنْعامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ « 1 » . والمقصود من الآيتين : الزيادة في تثبيت قلب النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - وفي تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم . فكأنه - سبحانه - يقول له : امض أيها الرسول الكريم في تبليغ ما أوحيناه إليك ، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم موضع ابتلاء واختبار للناس ، ليتميز المحسن من المسئ ، كما اقتضت حكمتنا - أيضا أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه ، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال ، وسننتقم لك من أعدائك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا . إِنَّهُمْ يَرَوْنَه بَعِيداً ونَراه قَرِيباً . وفي التعبير عما على الأرض بالزينة ، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله ، وعظم ثمنه . . فهو إلى زوال ، شأنه في ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها ، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم . وقوله * ( لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها .
--> ( 1 ) سورة السجدة . الآية 27 .